لقاءات

اخبار سريعة!

دروس من سنوات الحرب والسلم في البوسنة والهرسك 2

بعد 22 عاما لم يتم بناء دولة حقيقية

تعبنا من الكفاح لبناء دولة مدنية وسط شبكات الفساد والمصالح، لكن ليس امامنا غير المحاولة

يقول سودبين ميوزك  (Sudbin music) وهو كاتب وناشط مدني بوسني، يعرف بدفاعه عن حقوق ضحايا الحرب الأهلية البوسنية وتعرية قياداتها، ان الأحزاب القومية المتحالفة مع آخريات، تبقى في السلطة حتى مع فشلها المستمر.. هي تبقى قوية عبر اثارة الخلافات القومية بين الناس، فهؤلاء يتحالفون من اجل مصالحهم، وهم بذلك يعطلون ولادة احزاب تؤمن بالرؤية الأخرى البعيد عن التقوقع والتعصب.

ميوزك، الذي عاش تداعيات الحرب البوسنية وشهد بعض أبشع وأعقد فصولها، وكانت عائلته احدى ضحاياها، وثق عشرات القصص ومحطات الحرب، وكتب في جذور صراع المكونات، وفي الحاضر القلق بسبب الانقسامات المجتمعية وصراعات الساسة، وفي المستقبل المهدد بحروب اخرى نتيجة الانقسامات المحلية والدولية وعدم ايجاد الحلول الحقيقية للمشاكل.

يورد ميوزك، جملة من تجارب وعبر الحرب البوسنية (1993-1995) والتي راح ضحيتها اكثر من 100 الف انسان، والعقبات في طريق استعادة السلام وبناء الحياة ورتق النسيج الاجتماعي، وهي دروس يمكن تعميمها في اي مكان يشهد صراعات أهلية، يقول:

-         كنت في المدرسة الاعدادية حين بدأت يوغسلافيا تتفكك.. بعدها بسنوات قليلة بدأت التداعيات الخطيرة واشتعلت الحروب... أنا فقدت جميع افراد عائلتي باستثناء شقيقي... قتلوا سريعا في تصفيات مفاجئة غذتها اكاذيب واشاعات وانصاف حقائق خلال صراعات مصالح لم يستوعبوها.

-         ابي كان مسلما محبا لتيتو (تيتويست)، لكنه لم يكن شيوعيا ابداً، كنا عائلة مسلمة ورغم ذلك نطبق تعليمات ورؤية النظام الاشتراكي المفروضة على الجميع والتي كان يتم تلقين الطلاب والمجتمع عليها لعقود.

-         خريطة توزيع الشعوب في البوسنة والهرسك معقدة، فالمسلمون يتوزعون بشكل اساسي قرب الساحل، وتحيط بهم مناطق الصرب الذين يمتد توزيعهم على مساحات اكبر، فضلا عن الكروات المنتشرين بمناطق محددة... ولا توجد مناطق خالصة تقريبا لأي مكون، الغالبية الساحقة من المناطق فيها تداخل، والشيوعيون قاموا بفرض رؤيتهم المتمثلة بابعاد الناس عن انتمائاتهم واعتبارهم جميعا امة واحدة.

-         ولدت وعشت في مدينة بمناطق يعتبرها الصرب ارضهم التاريخية، وتحولت المدينة التي كان نحو 40% من سكانها مسلمين الى مثال لبشاعة الحرب بتعرضهم لموجات من القتل الجماعي والتهجير عقب حمى الخطابات القومية والأكاذيب والاشاعات... انها الى اليوم مثال لما تفعله الحروب وكيف يتم تدمير حاضر المجتمعات ومستقبلها، فقد ماتت الحياة فيها، وبعد 23 عاما من نهاية الحرب لم يعد غالبية المسلمين اليها.

-         كنت في الصف السادس الاعدادي عندما رفض الصرب استقلال البوسنة، واستولوا على الحكم بالقوة، وتوقفت الدراسة عدة ايام، ثم قرر الصرب العودة للدوام مع تقليص السنة الدراسية فرجعنا ونحن لا نفهم ما يحدث.. بعض الاساتذة كانوا يداومون بالزي العسكري... في آخر حصة لذلك العام اغلق الاستاذ كتابا كان امامه وقال: "انتهت السنة الدراسية نلتقي في العام المقبل اذا بقينا احياءً" ... لم افهم ماذا كان يعني.. بعدها بدأت عمليات القتل، وسالت الدماء في كل مكان.

-         خلال الحرب المصانع والمنشآت المملوكة للدولة، كمصنع الحديد تحولت الى معسكرات تعذيب... اليوم اصبحت ملكا لشركات خاصة... تلك المصانع قتل فيها الآلاف .. اليوم علينا ان نحصل على اذن من اجل زيارتها وتذكر ما جرى لنا فيها.

-         انهم يعملون في تلك المصانع ويدعمون بالمال جهات واحزاب كبرى .. يعملون وكأن شيئا لم يقع.. في كل متر هناك شخص مات تحت التعذيب او بسبب الجوع... هل من المعقول ان تتحول ذكرياتنا الى شركات يتم خصخصتها؟!.

-         عانينا من القتل وبعدها بسنوات بعد الحرب من عمليات تهجير متعددة، حتى يتم اعادة تركيب الدول الجديدة.... كل طرف كان يقوم بالتمييز وطرد ابناء المكون الآخر والحديث عن الازدهار والتقدم القادم... في النهاية ماذا انجزوا.. وماذا جنت الشعوب؟ ... لا شيء؟

-         التقسيم يعني مزيد من المشاكل، يعني ظهور كيانات تشبه الدول، كيانات تعاني من مشاكل كبيرة ... يعني تهجير الآلاف من مدنهم وقطعهم عن الماضي وعن ذكريات عوائلهم... وفي النهاية تكتشف انك لم تقدم حلا بل قضيت على التعايش والمستقبل في مناطق شديدة التداخل القومي والديني والمذهبي... فلا أحد يتقبل الآخر والانقسام مستمر والتمييز مستمر حتى على اساس الدستور... انقسام في كل مكان.

-         بعد الحرب قررت العودة الى مدينتي، لكن الغالبية لم تعد .. اردت ان اعيش فيها واتقبل الناس حتى مع ادراكي ان عائلتي قتلت بسبب وجودهم هنا على يد متطرفين، لكن قادة الحكومات لم يقدموا حلولا بل يعرقلون حياتنا ويعرقلون التعايش... المتطرفون القوميون يصعدون، يصعدون في كل مكان انهم ليسوا ضد المسلمين بل ضد الآخر مهما كان.

-         القوميون كانوا موجودين في يوغسلافيا، لكن الدولة كانت قوية ولم تكن تسمح بصعودهم .. بعد أن ضعفت الدولة استغل بعض السياسيين المتطرفين "الرؤية القومية" لمصالحهم، وحصلت الجرائم التي تحولت الى ابادات تحت اسم الدفاع عن الحقوق القومية... وهذا يحدث في كل مكان...انهم لايفهمون الدولة الحقيقية، لا يفهمون معناها وما تشكله، الدولة ليست مجرد كيان يمثلك قوميا فقط انها اكثر عمقا وشمولا من ذلك.

-         لم يعد هناك مسلمون في صربيا، تم تهجيرهم بالكامل.. بعد الحرب بسنوات قيل ان 20% من الناس عادت، لكني اشك الآن بعودة 10%.. انتهى التعايش ومعه تضررت حياة الجميع وساد الاحباط ولم يعد هناك امل بمستقبل افضل.

-         مدرستي التي كان فيها 80 طالبا في الصف الأول، الآن هناك طالب واحد في ذات الصف... وسيتم اغلاق المدرسة بعد سنوات.. المدينة شبه فارغة، أزقة كاملة بلا سكان.. هاجروا لأنهم عانوا من التمييز بعد الحرب وفشلوا في الحصول على عمل.. تم محاربتهم ومطاردتهم...في النهاية لن يكون للمسلمين وجود في صربيا.

-         المجتمع الصربي، مجتمع متعصب وقوموي، الآن ربما اكثر من الماضي، تجد النفس القومي المتعصب في كل مكان، ترى الاعلام الصربية في الاعياد والاعراس وفي المنافسات الرياضية، انهم يعتبرون صربيا افضل ما في العالم، يقولون انهم مستعدون للقتال من اجلها، ويعتبرون الآخرين مجرد ارهابيين وقتلة يجب طردهم، يقولون ان الآخرين هم سبب المشاكل سبب الفشل الاداري والاقتصادي دون ان يفكروا بالحقيقة الماثلة امامهم ... الشباب اليوم ربما اكثر تعصبا من الماضي، هذه روح قومية متصاعدة ومدمرة..... نعم هناك محاولات فردية لتغيير الواقع لكنها مجرد محاولات بسيطة لن تتمكن من الوقوف بوجه التيار.

-         القوميون يصعدون، يصعدون من خلال الحماسة والخطابة ضد الآخر وتحميل الآخرين مسؤولية مشاكلهم.... وهكذا تجد اليوم المتطرفين العدائيين للآخر في البرلمان والحكومة يواصلون نشر سمومهم.

-         المجتمع الدولي خذلنا وساهم في صناعة تلك المآسي... حركته مصالحه ففشل في ايجاد المعالجات....اذا كان هذا مصير البوسنة والهرسك ونحن في قلب اوربا فكيف سيكون الحال معكم (العراق وسوريا)؟

-         الاحزاب القومية المتحالفة مع اخريات، تبقى في السلطة حتى مع فشلها المستمر.. تبقى قوية عبر اثارة الخلافات القومية بين الناس... هؤلاء متحالفون من اجل مصالحهم، هم بذلك يعطلون ولادة احزاب تؤمن بالرؤية الأخرى البعيد عن التعصب.

-         التحالفات القوية التي بناها القوميون تمنع محاسبة قادة الحرب الذين يعملون الآن في الاحزاب القومية القوية.

-         بسبب فشل بناء الدولة، الحريات تتراجع، والصحافة تتراجع وتتدهور ... لا توجد مهنية ولا موضوعية، استطيع ان اقول لا توجد وسائل اعلام مستقلة ... الصحفيون تم شراؤهم برواتب صغيرة، هذا هو الواقع، هناك قلة من الكتاب الشجعان الذين يكتبون الحقيقة لكن الآخرون في معظمهم يفعلون العكس.

-         اتفاقية دايتون للسلام 1995 ليست كافية وليست جيدة لبناء دولة ومجتمع صحي...ارى انها اتفاقية سلام لفترة قصيرة، فلم يتم وضع اسس لسلام طويل، انها فرضت وقف الحرب ولم تضع حلولا لبناء سلام دائم.

-         الدستور الحالي يؤسس ويؤصل التمييز، وفشلت كل محاولات تعديل الدستور، بسبب خلافات الاحزاب وعدم وجود ضغط دولي كافي.... نحن لسنا مواطنين كاملي الحقوق... انا اعيش في صربيا (كيان داخل دولة البوسنة) كمواطن مسلم لكن لا استطيع ان ان اصوت للرئيس، بالمقابل في فيدرالية البوسنة لا يمكن للمواطن الصربي التصويت لاختيار الرئيس هناك.

-         هناك تمييز، فهذا صربي وذاك بوسني وكرواتي والآخر يهودي والآخر غجري وهكذا مع الأطراف الأخرى، انه شيء موجود في الدستور والاحزاب توافق عليه لأنه يخدم مصالحها، وان كان ضد مصلحة الشعوب وبناء دولة حقيقية ومعالجة المشاكل.

-         بعد 22 عاما لم يتم اعادة بناء دولة حقيقية... فشلنا في ذلك... ارى ان المجتمع الدولي او على الأقل أكثر من طرف يريد تقسم الدولة الحالية الى مزيد من الكيانات الاصغر والاضعف...طالما أبديت قلقي من نوايا المجتمع الدولي في البوسنة والهرسك... وربما في الكثير من المناطق الأخرى، للاسف القرن 21 سيكون قرن الصراعات الدموية والمزيد من التفكك.

-         من اجل البناء، لا بد ان نكون في المقام الأول بني آدمين (انسانيين).. للأسف في هذه الأوقات العصيبة هناك عدد قليل من الانسانيين الشرفاء.

-         نحن تعبنا من الكفاح من اجل الدولة المدنية الحرة الديمقراطية دولة التعايش والمواطنة، تعبنا والاحباط يحيط بنا والمعوقات هائلة والكثيرون ضد ذلك الحلم... لكن لا طريق امامنا غير المحاولة من اجل تحقيق ذلك.

*المادة من مخرجات الورشة التدريبية التي نظمتها منظمة دعم الاعلام الحر (ims) بالتنسيق مع رابطة صحفيي البوسنة والهرسك، في العاصمة البوسنية سرايفو، لاعلاميين ونشطاء عراقيين وسوريين بضمنهم صحفيون في شبكة "نيريج" الاستقصائية، والتي تركزت على دروس الحرب الأهلية البوسنية والمرحلة الانتقالية، ودور الاعلام خلال فترتي الحرب واعادة بناء السلام.

*قتل في الحرب الأهلية البوسنية (1992-1995) أكثر من 100 الف انسان، وخلفت الحرب 30 الف ضحية للعنف الجنسي واكثر من 700 مقبرة جماعية فيها اكثر من 30 الف ضحية.

 

 

Bookmark and Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الاخبار من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين