لقاءات

اخبار سريعة!

الحرب المجمدة ستشتعل مجدداً

قيل ان "التاريخ معلم الحياة والبشرية"، لكن يبدو اننا لا نتعلم منه، فها هي الحروب تتكرر وتتشابه في أسباب حصولها.

بهذه الكلمات يستهل الدكتور غوران سيميتش، وهو خبير في مجال العدالة الانتقالية، واستاذ جامعي، كان شاهدا على الحرب الأهلية في البوسنة والهرسك (1993-1995)، وألف عددا من الكتب عن الابادة الجماعية والعدالة الانتقالية، ووثق شهادات العشرات من ضحايا الحرب الدموية التي اوقعت أكثر من 100 الف انسان، رؤيته عن مستقبل بلاده التي تتهددها الانقسامات ويترصدها شبح عودة الحرب.

يقول سيميتش "رغم كل التطور التكنلوجي ما زال الانسان بدائيا ولم يحقق التطور الاخلاقي المتوافق مع التطور العلمي والتقني" ومع مصالح الساسة وتجار الحروب، تتهدد الصراعات التي تحركها النزعات القومية والطائفية دولاً كثيرة.

يورد سيميتش جملة من تجارب وعبر الحرب البوسنية، والعقبات في طريق تحقيق العدالة الانتقالية، وهي دروس يمكن تعميمها في اي مكان يشهد صراعات أهلية، يقول:

- لا يمكن تحقيق مفهوم العدالة الانتقالية في البوسنة والهرسك دون مواجهة الماضي، لا بد من التركيز على القيم الحاسمة لتحقيق العدالة، والاهتمام بدور وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني في تعزيز السلم بكشف الحقائق وعرض أحداث الحرب وعواقبها ومحاسبة المسؤولين عنها لا اخفائها.

- قادة الحرب هم قادة السلام، وهم عندما يعقدون اتفاقات السلام لا يقبلون حقيقة ان السلام يجب ان يمر من خلال محاسبة امراء الحروب، الرجال الذين كانوا جزءا من المشكلة لا يمكن ان يكونوا جزءا من الحل.

- الدولة لا ترغب في كشف الحقيقة لأن هناك رجال سياسة متورطون، لذلك الامر يتطلب تعاون بين الناس والصحفيين والمنظمات المدنية وتشكيل قوى ضغط من اجل كشف الحقائق وتحقيق العدالة وبناء المجتمع المؤمن بالتعايش وعدم تكرار الحروب مستقبلا، اما التخندقات الحالية فهي ستؤدي للحروب.

- الحرب تورث الانقسام، لا يوجد اليوم شعب بوسني، هناك شعب كرواتي وشعب صربي وشعب بوشناقي، هناك من يحاول ويكافح من اجل بناء الدولة لكنهم مهمشون ومحدودو التأثير، فيما رجال الدولة المؤثرون لا يتحركون في الاتجاه الصحيح تحت تأثير مصالحهم وبحكم طوائفهم لا يسعون لتحقيق السلم الشامل.

- خلفت حرب البوسنة والهرسك 30 الف امرأة من ضحايا العنف الجنسي، واكثر من 700 مقبرة جماعية دفن فيها ما يزيد عن 30 الف ضحية، ومن مجموع اربعة ملايين انسان سكان البلاد، هناك 100 الف قتيل تقريبا، في كل بيت قصص مفجعة، رغم ذلك نتطلع للسلام، اذ لا بديل عن السلام.

- العدالة لن تتحقق بدون التعامل مع الضحية انسانيا وفهم معاناته، ما فرضه المجتمع الدولي والمحامون هو عدالة قانونية مشوهة لا تؤمن حقوق الضحايا ولا تعني بالنسبة لهم شيئ،المحاكم لا تقدم المعونات، لا تقدم الصحة النفسية والدعم الاجتماعي ولا تعيد الحقوق الانسانية ولا تمحي ولا تعوض الذكريات. هذا عمل المنظمات والدولة التي لم تفعل شيئا، ومع غياب العدالة الحروب قادمة.

- المشكلة ليست في 30 الف ضحية للعنف الجنسي فقط، بل في 30 الف مجرم يحاول التهرب من الجريمة وممارسة حياته الطبيعية بين ضحاياه ومن الصعب ملاحقته في بيئة سياسية لا تساعد على تحقيق تلك العدالة. هناك 100 الف مجرم لكن يتم فقط ملاحقة 400 فرد منهم، اما الآخرون فقد نجوا من العقاب ويمارسون حياتهم وهم يقابلون ضحاياهم.

- مرتكب جريمة الاغتصاب في الحرب يفلت من العقاب او يسجن سبع سنوات ثم يخرج لممارسة حياته. ومجرمو الحرب الآن هم رجال سياسة في الداخل والخارج، والاحزاب هي ذاتها تتصارع من اجل مصالحها.

- بالتنازل عن الحقيقة وبدون كشف الوقائع ومواجهة المسؤولين يمكن ان تتكرر المآسي مجددا، وبدون الحقيقة لن نصل الى العدالة، ولن نحصل على الاستقرار ستتكرر الأزمات وتندلع حروب جديدة، لكي لا تتكرر المآسي يجب ان نوثق قصص الضحايا ونطالب بحقوقها ونوثق قصص المجرمين ونطالب بمحاكمتهم، فهناك دائما محاولات لتغيير الحقائق وتشويه ما حصل مقابل بعض المال ولأهداف سياسية.

شبح الحرب

- لسنا في حالة سلم، الحرب مستمرة بوسائل اخرى، هم فقط اوقفوا العمليات القتالية. لا سلم هنا. المشكلة في الاتفاقيات غير الاخلاقية المفروضة دوليا.

- الخوف من تفجر الأوضاع يتصاعد، لأن العدالة لم تتحقق، فللأسف المحاكم التي شكلت لمحاسبة المجرمين لم تحقق العدالة، نعم تم سجن البعض لبضع سنوات، لكن معاناة الضحايا الذين تحطمت حياتهم مستمرة ولن تتوقف ما داموا على قيد الحياة.

- الطلاب في المدارس يُعدون لحروب جديدة في المستقبل.. نحن لا نسأل كم سيمتد السلام.. نحن نسأل متى ستحصل الحرب القادمة.. لأنها آتية دون شك مع كل هذه المظالم والمصالح.

-وسائل الاعلام والجامعات تمارس دورا سلبيا في عدم كشف الحقائق بل والتغطية عليها، هي تطرح امرا واحدا "نحن الضحايا ومنافسونا هم المجرمون.. نحن ...... وهم.....". وسائل الاعلام ليست مستقلة انها تنتمي الى احزاب وقوميات وشعوب، تغطياتها سيئة ولا تفكر بالضحايا، هي تحمي المجرمين وتحركها الاجندات السياسية والقومية.

- الصحفي والباحث مهمته كشف الحقائق وتوثيقها لكي لا تتكرر ذات التجارب مجددا، وفق الأوضاع الحالية سيتحول المسؤولون عن الانتهاكات الى رجال دولة،الرجال الذين كانوا جزءا من المشكلة لا يمكن ان يكونوا جزءا من الحل.

- لا بد من تشكيل احزاب جديدة قادرة على مجابهة الأخطاء التي حصلت، أحزاب لا تتخندق خلف الطوائف (المذاهب والقوميات).

- الحروب لا تدمر بيوتنا وتسلب اعمالنا فقط، بل تدمر حياتنا. هذا هو هدفنا الكبير استعادة حياتنا (بناء الحياة من جديد) لكي لا نواجه نفس المشاكل في المستقبل.

*المادة اعلاه من مخرجات الورشة التدريبية التي نظمتها منظمة دعم الاعلام الحر (ims) بالتنسيق مع رابطة صحفيي البوسنة والهرسك، في العاصمة البوسنية سرايفو، لاعلاميين ونشطاء عراقيين وسوريين بضمنهم صحفيون في شبكة "نيريج" الاستقصائية، والتي تركزت على دروس الحرب الأهلية البوسنية والمرحلة الانتقالية، ودور الاعلام خلال فترتي الحرب واعادة بناء السلام.

*قتل في الحرب الأهلية البوسنية (1992-1995) أكثر من 100 الف انسان، وخلفت الحرب 30 الف ضحية للعنف الجنسي واكثر من 700 مقبرة جماعية فيها اكثر من 30 الف ضحية.

*صحفي ومحلل سياسي

 

دروس من سنوات الحرب والسلم في البوسنة والهرسك 2

بعد 22 عاما لم يتم بناء دولة حقيقية

تعبنا من الكفاح لبناء دولة مدنية وسط شبكات الفساد والمصالح، لكن ليس امامنا غير المحاولة

يقول سودبين ميوزك  (Sudbin music) وهو كاتب وناشط مدني بوسني، يعرف بدفاعه عن حقوق ضحايا الحرب الأهلية البوسنية وتعرية قياداتها، ان الأحزاب القومية المتحالفة مع آخريات، تبقى في السلطة حتى مع فشلها المستمر.. هي تبقى قوية عبر اثارة الخلافات القومية بين الناس، فهؤلاء يتحالفون من اجل مصالحهم، وهم بذلك يعطلون ولادة احزاب تؤمن بالرؤية الأخرى البعيد عن التقوقع والتعصب.

ميوزك، الذي عاش تداعيات الحرب البوسنية وشهد بعض أبشع وأعقد فصولها، وكانت عائلته احدى ضحاياها، وثق عشرات القصص ومحطات الحرب، وكتب في جذور صراع المكونات، وفي الحاضر القلق بسبب الانقسامات المجتمعية وصراعات الساسة، وفي المستقبل المهدد بحروب اخرى نتيجة الانقسامات المحلية والدولية وعدم ايجاد الحلول الحقيقية للمشاكل.

يورد ميوزك، جملة من تجارب وعبر الحرب البوسنية (1993-1995) والتي راح ضحيتها اكثر من 100 الف انسان، والعقبات في طريق استعادة السلام وبناء الحياة ورتق النسيج الاجتماعي، وهي دروس يمكن تعميمها في اي مكان يشهد صراعات أهلية، يقول:

-         كنت في المدرسة الاعدادية حين بدأت يوغسلافيا تتفكك.. بعدها بسنوات قليلة بدأت التداعيات الخطيرة واشتعلت الحروب... أنا فقدت جميع افراد عائلتي باستثناء شقيقي... قتلوا سريعا في تصفيات مفاجئة غذتها اكاذيب واشاعات وانصاف حقائق خلال صراعات مصالح لم يستوعبوها.

-         ابي كان مسلما محبا لتيتو (تيتويست)، لكنه لم يكن شيوعيا ابداً، كنا عائلة مسلمة ورغم ذلك نطبق تعليمات ورؤية النظام الاشتراكي المفروضة على الجميع والتي كان يتم تلقين الطلاب والمجتمع عليها لعقود.

-         خريطة توزيع الشعوب في البوسنة والهرسك معقدة، فالمسلمون يتوزعون بشكل اساسي قرب الساحل، وتحيط بهم مناطق الصرب الذين يمتد توزيعهم على مساحات اكبر، فضلا عن الكروات المنتشرين بمناطق محددة... ولا توجد مناطق خالصة تقريبا لأي مكون، الغالبية الساحقة من المناطق فيها تداخل، والشيوعيون قاموا بفرض رؤيتهم المتمثلة بابعاد الناس عن انتمائاتهم واعتبارهم جميعا امة واحدة.

-         ولدت وعشت في مدينة بمناطق يعتبرها الصرب ارضهم التاريخية، وتحولت المدينة التي كان نحو 40% من سكانها مسلمين الى مثال لبشاعة الحرب بتعرضهم لموجات من القتل الجماعي والتهجير عقب حمى الخطابات القومية والأكاذيب والاشاعات... انها الى اليوم مثال لما تفعله الحروب وكيف يتم تدمير حاضر المجتمعات ومستقبلها، فقد ماتت الحياة فيها، وبعد 23 عاما من نهاية الحرب لم يعد غالبية المسلمين اليها.

-         كنت في الصف السادس الاعدادي عندما رفض الصرب استقلال البوسنة، واستولوا على الحكم بالقوة، وتوقفت الدراسة عدة ايام، ثم قرر الصرب العودة للدوام مع تقليص السنة الدراسية فرجعنا ونحن لا نفهم ما يحدث.. بعض الاساتذة كانوا يداومون بالزي العسكري... في آخر حصة لذلك العام اغلق الاستاذ كتابا كان امامه وقال: "انتهت السنة الدراسية نلتقي في العام المقبل اذا بقينا احياءً" ... لم افهم ماذا كان يعني.. بعدها بدأت عمليات القتل، وسالت الدماء في كل مكان.

-         خلال الحرب المصانع والمنشآت المملوكة للدولة، كمصنع الحديد تحولت الى معسكرات تعذيب... اليوم اصبحت ملكا لشركات خاصة... تلك المصانع قتل فيها الآلاف .. اليوم علينا ان نحصل على اذن من اجل زيارتها وتذكر ما جرى لنا فيها.

-         انهم يعملون في تلك المصانع ويدعمون بالمال جهات واحزاب كبرى .. يعملون وكأن شيئا لم يقع.. في كل متر هناك شخص مات تحت التعذيب او بسبب الجوع... هل من المعقول ان تتحول ذكرياتنا الى شركات يتم خصخصتها؟!.

-         عانينا من القتل وبعدها بسنوات بعد الحرب من عمليات تهجير متعددة، حتى يتم اعادة تركيب الدول الجديدة.... كل طرف كان يقوم بالتمييز وطرد ابناء المكون الآخر والحديث عن الازدهار والتقدم القادم... في النهاية ماذا انجزوا.. وماذا جنت الشعوب؟ ... لا شيء؟

-         التقسيم يعني مزيد من المشاكل، يعني ظهور كيانات تشبه الدول، كيانات تعاني من مشاكل كبيرة ... يعني تهجير الآلاف من مدنهم وقطعهم عن الماضي وعن ذكريات عوائلهم... وفي النهاية تكتشف انك لم تقدم حلا بل قضيت على التعايش والمستقبل في مناطق شديدة التداخل القومي والديني والمذهبي... فلا أحد يتقبل الآخر والانقسام مستمر والتمييز مستمر حتى على اساس الدستور... انقسام في كل مكان.

-         بعد الحرب قررت العودة الى مدينتي، لكن الغالبية لم تعد .. اردت ان اعيش فيها واتقبل الناس حتى مع ادراكي ان عائلتي قتلت بسبب وجودهم هنا على يد متطرفين، لكن قادة الحكومات لم يقدموا حلولا بل يعرقلون حياتنا ويعرقلون التعايش... المتطرفون القوميون يصعدون، يصعدون في كل مكان انهم ليسوا ضد المسلمين بل ضد الآخر مهما كان.

-         القوميون كانوا موجودين في يوغسلافيا، لكن الدولة كانت قوية ولم تكن تسمح بصعودهم .. بعد أن ضعفت الدولة استغل بعض السياسيين المتطرفين "الرؤية القومية" لمصالحهم، وحصلت الجرائم التي تحولت الى ابادات تحت اسم الدفاع عن الحقوق القومية... وهذا يحدث في كل مكان...انهم لايفهمون الدولة الحقيقية، لا يفهمون معناها وما تشكله، الدولة ليست مجرد كيان يمثلك قوميا فقط انها اكثر عمقا وشمولا من ذلك.

-         لم يعد هناك مسلمون في صربيا، تم تهجيرهم بالكامل.. بعد الحرب بسنوات قيل ان 20% من الناس عادت، لكني اشك الآن بعودة 10%.. انتهى التعايش ومعه تضررت حياة الجميع وساد الاحباط ولم يعد هناك امل بمستقبل افضل.

-         مدرستي التي كان فيها 80 طالبا في الصف الأول، الآن هناك طالب واحد في ذات الصف... وسيتم اغلاق المدرسة بعد سنوات.. المدينة شبه فارغة، أزقة كاملة بلا سكان.. هاجروا لأنهم عانوا من التمييز بعد الحرب وفشلوا في الحصول على عمل.. تم محاربتهم ومطاردتهم...في النهاية لن يكون للمسلمين وجود في صربيا.

-         المجتمع الصربي، مجتمع متعصب وقوموي، الآن ربما اكثر من الماضي، تجد النفس القومي المتعصب في كل مكان، ترى الاعلام الصربية في الاعياد والاعراس وفي المنافسات الرياضية، انهم يعتبرون صربيا افضل ما في العالم، يقولون انهم مستعدون للقتال من اجلها، ويعتبرون الآخرين مجرد ارهابيين وقتلة يجب طردهم، يقولون ان الآخرين هم سبب المشاكل سبب الفشل الاداري والاقتصادي دون ان يفكروا بالحقيقة الماثلة امامهم ... الشباب اليوم ربما اكثر تعصبا من الماضي، هذه روح قومية متصاعدة ومدمرة..... نعم هناك محاولات فردية لتغيير الواقع لكنها مجرد محاولات بسيطة لن تتمكن من الوقوف بوجه التيار.

-         القوميون يصعدون، يصعدون من خلال الحماسة والخطابة ضد الآخر وتحميل الآخرين مسؤولية مشاكلهم.... وهكذا تجد اليوم المتطرفين العدائيين للآخر في البرلمان والحكومة يواصلون نشر سمومهم.

-         المجتمع الدولي خذلنا وساهم في صناعة تلك المآسي... حركته مصالحه ففشل في ايجاد المعالجات....اذا كان هذا مصير البوسنة والهرسك ونحن في قلب اوربا فكيف سيكون الحال معكم (العراق وسوريا)؟

-         الاحزاب القومية المتحالفة مع اخريات، تبقى في السلطة حتى مع فشلها المستمر.. تبقى قوية عبر اثارة الخلافات القومية بين الناس... هؤلاء متحالفون من اجل مصالحهم، هم بذلك يعطلون ولادة احزاب تؤمن بالرؤية الأخرى البعيد عن التعصب.

-         التحالفات القوية التي بناها القوميون تمنع محاسبة قادة الحرب الذين يعملون الآن في الاحزاب القومية القوية.

-         بسبب فشل بناء الدولة، الحريات تتراجع، والصحافة تتراجع وتتدهور ... لا توجد مهنية ولا موضوعية، استطيع ان اقول لا توجد وسائل اعلام مستقلة ... الصحفيون تم شراؤهم برواتب صغيرة، هذا هو الواقع، هناك قلة من الكتاب الشجعان الذين يكتبون الحقيقة لكن الآخرون في معظمهم يفعلون العكس.

-         اتفاقية دايتون للسلام 1995 ليست كافية وليست جيدة لبناء دولة ومجتمع صحي...ارى انها اتفاقية سلام لفترة قصيرة، فلم يتم وضع اسس لسلام طويل، انها فرضت وقف الحرب ولم تضع حلولا لبناء سلام دائم.

-         الدستور الحالي يؤسس ويؤصل التمييز، وفشلت كل محاولات تعديل الدستور، بسبب خلافات الاحزاب وعدم وجود ضغط دولي كافي.... نحن لسنا مواطنين كاملي الحقوق... انا اعيش في صربيا (كيان داخل دولة البوسنة) كمواطن مسلم لكن لا استطيع ان ان اصوت للرئيس، بالمقابل في فيدرالية البوسنة لا يمكن للمواطن الصربي التصويت لاختيار الرئيس هناك.

-         هناك تمييز، فهذا صربي وذاك بوسني وكرواتي والآخر يهودي والآخر غجري وهكذا مع الأطراف الأخرى، انه شيء موجود في الدستور والاحزاب توافق عليه لأنه يخدم مصالحها، وان كان ضد مصلحة الشعوب وبناء دولة حقيقية ومعالجة المشاكل.

-         بعد 22 عاما لم يتم اعادة بناء دولة حقيقية... فشلنا في ذلك... ارى ان المجتمع الدولي او على الأقل أكثر من طرف يريد تقسم الدولة الحالية الى مزيد من الكيانات الاصغر والاضعف...طالما أبديت قلقي من نوايا المجتمع الدولي في البوسنة والهرسك... وربما في الكثير من المناطق الأخرى، للاسف القرن 21 سيكون قرن الصراعات الدموية والمزيد من التفكك.

-         من اجل البناء، لا بد ان نكون في المقام الأول بني آدمين (انسانيين).. للأسف في هذه الأوقات العصيبة هناك عدد قليل من الانسانيين الشرفاء.

-         نحن تعبنا من الكفاح من اجل الدولة المدنية الحرة الديمقراطية دولة التعايش والمواطنة، تعبنا والاحباط يحيط بنا والمعوقات هائلة والكثيرون ضد ذلك الحلم... لكن لا طريق امامنا غير المحاولة من اجل تحقيق ذلك.

*المادة من مخرجات الورشة التدريبية التي نظمتها منظمة دعم الاعلام الحر (ims) بالتنسيق مع رابطة صحفيي البوسنة والهرسك، في العاصمة البوسنية سرايفو، لاعلاميين ونشطاء عراقيين وسوريين بضمنهم صحفيون في شبكة "نيريج" الاستقصائية، والتي تركزت على دروس الحرب الأهلية البوسنية والمرحلة الانتقالية، ودور الاعلام خلال فترتي الحرب واعادة بناء السلام.

*قتل في الحرب الأهلية البوسنية (1992-1995) أكثر من 100 الف انسان، وخلفت الحرب 30 الف ضحية للعنف الجنسي واكثر من 700 مقبرة جماعية فيها اكثر من 30 الف ضحية.

 

 

أطفال مقاتلون.. ضحايا خلال الحرب ضحايا بعد الحرب

دروس من سنوات الحرب والسلم في البوسنة والهرسك

"القوى الدولية كانت تعتقد انه بمجرد بناء المنازل وتقديم الخدمات وعودة الناس للعمل سيتحسن كل شيء، لكن كان من المهم ترميم النفوس واعادة الثقة بين مكونات المجتمع التي انقسمت بسبب الصراعات السياسية وفي ظل اعلام بقي يبث لسنوات خطاب الكراهية والتفرقة.. جميعنا كنا ضحايا، لكن الأطفال المقاتلين كانوا اكبر الخاسرين".

بهذه الكلمات، قدم ناشط بوسني، رؤيته عن الحرب التي شارك فيها مقاتلا صغيرا، وانتهى مواطنا بتعليم بسيط، ومريضا بلا رعاية يبحث عن عمل يؤمن متطلبات عائلته وسط الازمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها بلاده بعد نحو 24 عاما من الحرب الأهلية.

تشكلت جمعية "مقاتلون صغار للدفاع عن السلم" بعد أكثر من عقدين لنهاية الحرب في البوسنة والهرسك، للتحذير من مخاطر استخدام الأطفال في الحروب والتنبيه لحقوقهم، وهي تضم الأفراد الذين كانوا اطفالا مقاتلين في صفوف الأطراف المختلفة المتقاتلة خلال الحرب. حيث كان يقدر عدد الاطفال المقاتلين بنحو تسعة آلاف طفل يواجه معظمهم اليوم ظروفا حياتية صعبة بعد ان فقدوا فرص اكمال دراستهم او اكتساب مهارات مهنية لضمان فرص عمل، وبعضهم تعرض لاعاقات أثرت على حياتهم دون ان يحصلوا على دعم.

يقول "روسمير بيراليك" و "كمال سالاكا" اللذين شاركا في طفولتهما بالحرب البوسنية، وهما اليوم ناشطان في الجمعية التي تسعى لبناء السلم الأهلي والتسامح ونقل تجارب الأطفال المقاتلين ليساهموا في صنع السلام بعد ان كانوا مقاتلين متحاربين.

-       كنا ضحايا خلال الحرب، ومازلنا ضحايا فقد تحطمت حياتنا،  500 عضو في جمعية "مقاتلون صغار للدفاع عن السلم" كبروا دون ان يحصلوا على تعليم جيد، ويعانون اليوم من مشاكل صحية ومن صعوبة ايجاد عمل لأنهم مرضى وضعيفو التعليم، وهم عاجزون عن دخول الجامعات، وهم تأخروا في الزواج او عجزوا عن بناء اسرة، فقد انتهت الحرب وهم في فترة المراهقة وبعدها كان عليهم العمل والكفاح من اجل اسرهم... ضاعت حياتهم وهم اليوم يريدون ان ينبهوا الآخرين لمنع تكرار تلك المآسي.

-       كنا صغارا في تلك الفترة ولم نكن نعرف ماذا يعني ذلك، كانوا يستخدموننا في الحرب من اجل مصالحهم .. فوجئنا لاحقا ان "الأعداء المفترضين" الذين كنا نعتقد انهم جاؤوا لقتلنا، الكثير منهم كانوا يحملون قيم انسانية عالية لكنهم كانوا تحت ضغط السياسيين واجنداتهم ودعاياتهم... اكتشفنا ان الصرب والكروات الذين قاتلوا ضدنا لم يكونوا أعداء وخونة ... كنا جميعا مخدوعين.

-       قبل الحرب الانظمة تحتاج الى دعاية، لكن بعد وقوع الحرب لا يتطلب الامر اية دعاية، فهم لا يحتاجون اليها مع بدء سقوط المدنيين قتلى.

-       قبل الحرب كانت الدعاية تقول: هل تريد ان تموت كمدني في بيتك ام تريد ان تموت بطلا تواجه العدو في الجبهة دفاعا عن امتك... تلك الدعاية دفعت آلاف الأطفال الى الانخراط في القتال.

-       في مخيم افتتحته الجمعية خلال احدى برامجها، اجتمع الرجال الذين كانوا سابقا مقاتلين صغار، فوجأ العديد منهم بانهم يلتقون بآخرين كانوا قد قاتلوهم في بعض الجبهات... متأخرين اكتشفنا ان بامكاننا التعايش والعيش  بسلام... اكتشفنا اننا جميعا كنا محاصرين بالدعاية وكنا ضحايا في حرب سيئة لا تخدم احدا.

-       بعد ان كبرنا اكتشفنا ان الاحزاب السياسية من مصلحتها ان تبقى الصراعات بين الشعوب، وهذا ما يجب مواجهته، فالخاسرون في النهاية هم الناس.

-       القوى الدولية كانت تعتقد انه بمجرد بناء المنازل وعودة الناس للعمل وضمان الخدمات سيتحسن كل شيء، لكن كان من المهم ايضا ترميم النفوس، وهذا ما يجب ان يحدث من اجل تجاوز اثار تلك الحرب واعادة الثقة بين الناس.

-       وسائل الاعلام في تلك الفترة كانت جزءا من الدعاية الحربية وكنا فعلا نعيش تحت تأثيرها... كان لها دور في استمرارنا في الحرب.... نحن كنا مجبرين على ذلك .. كنا نؤمن باننا نتطوع للدفاع عن حياتنا وحياة اسرنا ولم يكن هناك تجنيد اجباري، لكن بعد الحرب الحكومة لم تقدم المساعدة لنا لاعادة تأهيلنا في المجتمع.

-       على الاعلاميين الكتابة عن المقاتلين من الاطفال ويطالبوا الحكومات باقرار القوانين التي تمنع استخدامهم في الحرب، واقناعهم بسلوك مسار الحياة الطبيعية... ويجب معرفة واقع الشباب وحاجاتهم والعمل على تنويرهم.. على الصحفيين كشف ومواجهة اي مؤشرات مقلقة يمكن ان تؤدي الى الحرب لاحقا، وهذا ما نخشاه.

 

*المادة من مخرجات الورشة التدريبية التي نظمتها منظمة دعم الاعلام الحر (ims) بالتنسيق مع رابطة صحفيي البوسنة والهرسك، في العاصمة البوسنية سرايفو، لاعلاميين ونشطاء عراقيين وسوريين بضمنهم صحفيون في شبكة "نيريج" الاستقصائية، والتي تركزت على دروس الحرب الأهلية البوسنية والمرحلة الانتقالية، ودور الاعلام خلال فترتي الحرب واعادة بناء السلام.

*قتل في الحرب الأهلية البوسنية (1992-1995) أكثر من 100 الف انسان، وخلفت الحرب 30 الف ضحية للعنف الجنسي واكثر من 700 مقبرة جماعية فيها اكثر من 30 الف ضحية.

سلام غير عادل .. عدالة غائبة وخوف مستمر!

كن مهنيا وتجرد من انتمائك، فالضحايا هم الضحايا، من كانوا وأينما كانوا !

دروس من سنوات الحرب والسلم في البوسنة والهرسك

"خلال عملنا سنوات الحرب آمنا أن الضحايا هم الضحايا، ولا يجوز التمييز بينهم مهما كان انتماؤهم سواء كان مماثلا او مختلفا عن انتمائك، وحتى لو كانت عائلتك احدى الضحايا فعليك ان تكتب بحيادية وموضوعية وتلتزم باخلاقيات العمل الصحفي، لتكون صحفيا حقيقيا وتحظى بثقة الجميع.. والا فستكتشف لاحقا انك ارتكبت خطأً كبيراً وثمنه كان غاليا".

تقول بوركا روديج، التي عملت في الصحافة قبل الحرب البوسنية، وخلال سنوات الحرب واصلت تلك المهنة الخطرة ناقلة من الجبهات اخبار المعارك، وعملت بحيادية وشجاعة في توثيق وقائع الحرب المأساوية وأحداثها وقصص ضحاياها من كل الأطراف، وهي تواصل عملها الى اليوم بحماسة وايمان بقدرة الكلمة الصادقة على التغيير، وتشغل حاليا منصب أمين رابطة صحفي البوسنة والهرسك:-

-       تأسست رابطة صحفي البوسنة والهرسك في فترة الحرب حين كانت هناك ثلاثة جيوش تتقاتل على الأرض، توزع بينها عدد كبير من الصحفيين عملوا في الدعاية تحت تأثير خلفياتهم القومية والدينية.. تشكلت الرابطة لتجمع الصحفيين الذين يكتبون بمسؤولية بعيدا عن خلفياتهم وانتماءاتهم، فضمت صحفيين من مختلف المكونات يعملون على كشف الحقائق لتحقيق المصالح العامة للمجتمع البوسني وليس لطرف واحد... هي اليوم تعد اكبر رابطة للصحفيين وتضم 750 صحفيا.. وكانت رسالتها بعد الحرب تحقيق العدالة الانتقالية ولعب دور ايجابي في بناء السلم.

- العديد من الصحفيين انتقلوا الى سرايفو لتغطية الحرب حين كان الناس يهربون منها... لم يتخلوا عن مهمتهم الكبيرة في كشف الحقائق يوما حتى في أصعب الظروف... يومها كان البعض يدعو للتقسيم وآخرون للوحدة، كان البعض ينشر الأكاذيب وآخرون الحقائق، كان البعض يكتبون من اجل السلم وآخرون من اجل الحرب.....

فترة الحرب صعبة جدا والأهوال كبيرة (موت، وجوع، وتفكك، وحصار) لكن دائما هناك فرصة للسلم وهو ما كنا نؤمن به، ونؤمن ان الحرب يجب ان تنتهي، وان الحرب لن تكون حلا، وان البوسنة يجب ان تكون بلد الجميع.

- اليوم وبعد 22 عاما من انتهاء الحرب، ومع حقيقة وجود الخلافات بين المكونات وتهديدها المستمر باشعال حروب جديدة، نبحث نحن كصحفيين عن الفرص المتاحة للتحول من ما نصفه بـ"الحرب المجمدة" الى السلم والتعايش الايجابي، وتجاوز التركة الثقيلة والقاسية للحرب الأهلية والتحرك نحو اعادة بناء النسيج الاجتماعي ووضع البنى الاعلامية والمدنية والسياسية والادارية التي تمثل متطلبات أساسية لذلك التحول نحو السلم الدائم.

- نحن نرفض "السلام غير العادل" الذي فرضه المجتمع الدولي علينا في اتفاقية دايتون الدولية لانهاء الحرب البوسنية، لكننا نظل نرى ان السلم افضل من الحرب، لذلك قبلنا باتفاقية دايتون لكننا اليوم نعتقد بحاجتنا لاتفاقية جديدة لا تنهي الحرب فقط بل تصنع السلام الدائم... فالسلام غير عادل يعني غياب العدالة والخوف المستمر.

- خلال عملنا في الحرب وبعدها آمنا أن الضحايا هم الضحايا اينما كانوا، ولا يجوز اعلاميا التمييز بينهم مهما كان انتماؤهم (مماثلا او مختلفا لانتمائك)، وحتى لو كانت عائلتك احدى الضحايا فعليك ان تكتب بحيادية وموضوعية وتلتزم باخلاقيات العمل الصحفي، لتكون صحفيا حقيقيا وتحظى بتقدير وثقة الجميع... ان لم تقم بعملك بمهنية فستكتشف لاحقا ان ما كنت تقوم به من دعاية كاذبة وكان خطأ كبيرا وانك ساهمت في الحرب والتدمير وكان ثمنا ذلك غاليا.

- ندرك تماما أن الانتهاء من آثار الحرب وانجاز السلم يحتاج الى وقت طويل... ونعرف اليوم أن بناء الديمقراطية والدولة المدنية يحتاج الى وقت اطول بكثير وهي مهمة معقدة وصعبة.

-  عنانينا خلال الحرب وبعدها من الصحافة الحزبية والصحافة الموجهة فالمؤسسات الصحفية لكل مكون كانت تهاجم الآخر ضمن الدعاية الحربية، فكان الاعلام منفلتا وخطاب الكراهية في وسائل الاعلام واضحاً، وذلك تسبب بتعقيد الحرب أكثر ... اليوم الأمر قد يبدو أعقد في ظل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وما تقدمه من فرصة للتعبير والنشر سريعا وبسهولة بما يسمح بنشر كتابات تحمل التشهير والدعوة للعنف والترويج لخطاب الكراهية، الا انها في ذات الوقت تمنح فرص كبيرة لصنع السلام والترويج للافكار الجيدة والمبادرات الفردية والمجتمعية المعززة للتعايش والسلم والتحشييد للقيم الانسانية ... فوسائل التواصل الاجتماعي توفر فرص كبيرة وواعدة وهي تحمل الكثير من قصص البناء وتعزيز السلم والتعايش...انها ايضا وسيلة فاعلة لايصال مطالب الناس الى الحكومات والضغط عليها.

*******

*المادة من مخرجات الورشة التدريبية التي نظمتها منظمة دعم الاعلام الحر (ims) بالتنسيق مع رابطة صحفيي البوسنة والهرسك، في العاصمة البوسنية سرايفو، لاعلاميين ونشطاء عراقيين وسوريين بضمنهم صحفيون في شبكة "نيريج" الاستقصائية، والتي تركزت على دروس الحرب الأهلية البوسنية والمرحلة الانتقالية، ودور الاعلام خلال فترتي الحرب واعادة بناء السلام.

*قتل في الحرب الأهلية البوسنية (1992-1995) أكثر من 100 الف انسان، وخلفت الحرب 30 الف ضحية للعنف الجنسي واكثر من 700 مقبرة جماعية فيها اكثر من 30 الف ضحية.

 

الدفاع عن النظام.. التشجيع على الحرب

معظم الصحفيين كانوا يكتبون تحت الطلب وتحولوا الى أداة لبث خطاب الكراهية وتأجيج الحرب

دروس من سنوات الحرب والسلم في البوسنة والهرسك

"الصحفيون الذين كانوا يؤججون نار الحرب ويبثون الكراهية بين المكونات خلال المعارك من خلال الدفاع عن مكونه والهجوم على الآخر، بعد الحرب كانوا يكتبون عن السلم ويشددون على تحقيقه، هم كانوا يكتبون تحت الطلب، كانوا جزءا من آلة الحرب المدمرة"، تقول ماريجا ساجكاس.

ساجكاس، صحفية بوسنية عملت خلال الحرب الأهلية وغطت الصراعات السياسية والمعارك على الجبهات. تواصل اليوم عملها الصحفي، وهي خبيرة في وسائط الإعلام وفي مجال العدالة والمصالحة من خلال وسائل الاعلام، وتحمل ماجستير في العلاقات الدولية:-

- الصحافة لم تكن حرة في يوغسلافيا السابقة قبل ان تتفت الى ست دول جديدة (صربيا، بوسنة وهرسك، كرواتيا، مقدونيا، سلوفينيا، والجبل الأسود) على أسس قومية ودينية ومذهبية، كانت صحافة موجهة تصادر الرأي الآخر، مهمتها الدفاع عن النظام وتلميع صورته ومحاربة الأعداء... كان الصحفيون يكتبون عن وحدة الأمة والأخوة العميقة والتاريخ المشترك والمصالح المتداخلة ولا يخوضون في الاختلافات القومية والدينية والمذهبية.

- بعد وفاة الرئيس القوي تيتو (جوزيف بروز تيتو 1980 من اصل كرواتي) تفجرت المشاكل بين القادة الطامحين للسلطة.. كل طرف ايد القائد الممثل لقوميته، وبدأ التمجيد القومي من قبل الكثير من الصحفيين والكتاب... كل طرف كان يمجد ارثه ويتحدث عن ضحايا قوميته وطائفته ويتناسى ضحايا الآخر.. كل ذلك تحت تأثير السياسيين من اصحاب المصالح في الأطراف الثلاثة.

- بعض الصحفيين انخرطوا في تلك الدوامة.. ولاحقا أجبر السياسيون، الصحفيين على ذلك، ومن لم ينفذ كان يتم محاربته وتهميشه وتشويه سمعته، ووصل الجميع تقريبا في النهاية للحديث عن الحرب والموت في سبيل قوميته، ثم وقعت الحرب وصاروا يتحدثون عن انتهاكات الآخر وعن أي قومية لديها ضحايا أكبر واي قومية لديها مقابر اكثر.

- قبل الحرب معظم وسائل الاعلام كانت تحت سيطرة السياسيين النافذين من الأطراف المختلفة، وكان هناك سوء بالغ في استخدام تلك الوسائل في خدمة اجنداتهم السياسية... طبعا لم تكن هناك رقابة، لكن ما هو اسوأ كانت الرقابة الذاتية التي منعت ظهور الحقائق ومواجهة السياسيين بها.

- نتيجة تلك الصحافة السيئة، كان السكان يعتبرون الشائعات والأكاذيب التي يتم تسريبها للصحافة من قبل الاطراف السياسية كحقائق والشعب كان يصدقها... كان يتم فبركت الحقائق ودفع أموال لذلك، ولم تكن هناك حقائق كاملة... وهذا خلق شرخا بين المكونات، خلق شكوكا كبيرة وعدم ثقة حتى بين من عاشوا معا في سلم ووئام لسنوات، وأشعل الصراعات بينها.

-       لكن صحفيين شجعان ادركوا مآلات تشويه الحقائق، رفضوا الاستسلام لارادة الأحزاب، وخاطروا بحياتهم من اجل ابراز الحقيقة وسط التظليل والاشاعات والتخريب المتعمد لتحقيق أهداف معينة.

- "الصحفيون الذين كانوا يؤججون نار الحرب ويبثون الكراهية بين المكونات خلال المعارك من خلال الدفاع عن مكونه والهجوم على الآخر، بعد الحرب كانوا يكتبون عن السلم ويشددون على تحقيقه، هم كانوا يكتبون تحت الطلب... كانوا جزءا من آلة الحرب المدمرة"...هؤلاء تجدهم في كل مكان، انهم يمثلون جزءا من المشكلة جزءا من الخطأ والجريمةالتي ادت الى استمرار الحرب وتعقدها وسقوط عشرات الآف من الضحايا.

- الادعاء العام في صربيا قام بمحاولات لمحاكمة بعض الصحفيين الذين ساهموا في بث خطاب الكراهية وتأجيج نيران الحرب وتعقيد الصراعات، لكن معظم الصحفيين فلتوا من العقاب، لأنه لم تكن هناك ادلة عن العلاقة المباشرة بينهم وبين الجرائم التي حدثت، بعضهم ظل يؤكد انه كان مجبرا على تنفيذ اوامر القادة السياسيين بالكتابة وفق ما يطلبونه....  معظم هؤلاء تم تهميشه بعد الحرب ولم يعد لهم وجود في صحافة اليوم.

 

*************************************************

*المادة من مخرجات الورشة التدريبية التي نظمتها منظمة دعم الاعلام الحر (ims) بالتنسيق مع رابطة صحفيي البوسنة والهرسك، في العاصمة البوسنية سرايفو، لاعلاميين ونشطاء عراقيين وسوريين بضمنهم صحفيون في شبكة "نيريج" الاستقصائية، والتي تركزت على دروس الحرب الأهلية البوسنية والمرحلة الانتقالية، ودور الاعلام خلال فترتي الحرب واعادة بناء السلام.

*قتل في الحرب الأهلية البوسنية (1992-1995) أكثر من 100 الف انسان، وخلفت الحرب 30 الف ضحية للعنف الجنسي واكثر من 700 مقبرة جماعية تضم اكثر من 30 الف ضحية.

 

لندن: «الشرق الأوسط أونلاين»

 

أعلن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، اليوم (الخميس)، عن إجراءات غير مسبوقة لمكافحة تدفق الأموال القذرة إلى قطاع العقارات في المملكة المتحدة، وذلك يوم استضافته قمة لمكافحة الفساد في العاصمة لندن.

ويفترض أن يوقع رؤساء دول عدة بينها افغانستان ونيجيريا ووزير الخارجية الاميركي جون كيري والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد ورئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم، إعلانا يعد بتحركات جديدة.

وكتب كاميرون - الذي يفترض أن يختتم القمة ظهر اليوم - في صحيفة "الغارديان" البريطانية، أنّ "الفساد سرطان يشكل لب عدد كبير من المشاكل في العالم اليوم. إنّه يدمر الوظائف ويعرقل النمو ويحرم الاقتصاد العالمي من مليارات الجنيهات كل سنة".

لكن المنظمات غير الحكومية وناشطي مكافحة الفساد، ما زالوا ينتظرون إجراءات عملية بعد شهر على فضيحة "اوراق بنما" التي كشفت لجوء شركات الاوفشور بشكل واسع إلى وضع أموال في بلدان تفتقد إلى الشفافية ولا تفرض ضرائب كبيرة.

وقبل ساعات على افتتاح القمة، استبق كاميرون الاجتماع بتأكيده على أنّ "الشركات الاجنبية التي تملك أو تريد شراء عقارات في المملكة المتحدة، سيكون عليها كشف اسم المالك الحقيقي".

ويستهدف هذا الإجراء الذي كان منتظرًا جدا حوالى مائة ألف مسكن في انجلترا وويلز بينها
44 ألفا في لندن وحدها حسب الارقام الرسمية، تملكها شركات اوفشور ولا تعرف هوية مالكها الحقيقي.

تقول منظمة الشفافية الدولية إنّ هذه الممارسات ليست غير قانونية؛ لكنّها حولت قطاع العقارات اللندني إلى "ملاذ للاموال المسروقة في جميع انحاء العالم".

وبين
2004 و2014 استهدفت تحقيقات للشرطة في الفساد ممتلكات عقارية تبلغ قيمتها الاجمالية 180 مليون جنيه استرليني.

وتقول منظمة الشفافية الدولية انه "الجزء الظاهر من جبل الجليد".

من جانبها، أكّدت الحكومة البريطانية أنّ "السجل الجديد للشركات الاجنبية سيعني أنّ الافراد والدول الفاسدة لن تكون قادرة على نقل أو غسل أو إخفاء أموال قذرة عن طريق سوق العقارات في لندن".

ورحب روبرت بالمر العضو في منظمة "غولبال ويتنس" غير الحكومية، بالاجراءات، معتبرًا أنّها "خطوة إلى الأمام"، لكنه قال لوكالة الصحافة الفرنسية، إنّ "الجزء الأكبر من المعضلة لم يحل؛ إذ أنّ الملاذات الضريبية تثبت جدواها".

واضافت الحكومة البريطانية أنّ "فرنسا وهولندا ونيجيريا وافغانستان ستتبع قيادة بريطانيا بالتعهد بوضع سجلاتها العامة، الخاصة بها بشأن المستفيدين الفعليين من شركات الاوفشور".

وصدر مرسوم في فرنسا الاربعاء، يفرض اقامة مثل هذا السجل.

وقال وزير المالية الفرنسي ميشال سابان، إنّه يفترض أن يضم "
16 ألف كيان موجود اليوم في فرنسا ولا يعرف مالكوها او المستفيدون منها".

وفي مقابلة مع صحيفة "الغارديان" قال سابان، إنّه يشعر بأنّ بريطانيا "تريد جديا إنهاء بعض الممارسات".

والى جانب العقارات، أعلنت لندن عن تبادل تلقائي للمعلومات حول السجلات مع بعض أراضي ما وراء البحار والمناطق التابعة للمملكة المتحدة، من دون أن تحددها.

وكانت مصداقية ديفيد كاميرون نفسه كمضيف للقمة اهتزت؛ إذ أنّ فضيحة "اوراق بنما" طالته. وقد اضطر للاعتراف بأنّه امتلك حصصا في شركة والده الذي توفي في
2010.

وتتهم المملكة المتحدة أيضا، بمراعاة اراضي ما وراء البحار التابعة لها؛ فأكثر من نصف
214 ألف شركة يمثلها مكتب موساك فونسيكا البنمي للمحاماة تتمركز في جزر العذراء البريطانية. وهذه المنطقة وبنما لن تحضرا المؤتمر.

ويضاف إلى ذلك أنّ كاميرون تورط في هفوة دبلوماسية الثلاثاء، عندما وصف نيجيريا وافغانستان بأنّهما "اكثر دول العالم فسادا". وقد حاول اصلاح الوضع في اليوم التالي بقوله، إنّ رئيسي البلدين "بذلا جهودا ملحوظة".

ورأى جوزيه اوغاز رئيس منظمة الشفافية الدولية أنّ مكافحة هذه الممارسات يجب أن تجري بالتشاور بين الدول الغنية والدول الفقيرة.

 

المصدر: الشرق الأوسط

 

http://aawsat.com/node/638421#.VzTMLSl4aag.mailto

 

 

 

 

الاخبار من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين